أسعد السحمراني
63
الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة
بهذا الأسلوب القائم على النواهي تأسست فلسفة بوذا الأخلاقية ، ولها سند آخر هو ممارسة التأمل بأوسع معانيه لأن التأمل هو العودة إلى النفس من أجل تهذيبها ، وهذا لا يستطيعه إلّا الحكيم من الناس الذي استطاع التخلص من قيود الذات وفكّ كل علائقها مع الماديات . إن الأخلاق البوذية شكل من أشكال الهروب من الدنيا ، ودعوة للانسحاب من الحياة ، ولا يمكن أن تؤخذ نمطا حياتيا فاعلا . لهذا السبب نذهب إلى القول « بأن المذهب البوذي في الأخلاق ذو طابع سلبي ، لأنه يقوم على نفي كل قيمة للأشياء الدنيوية ، وعلى جعل التأمل الذاتي شرطا أساسيا للوصول إلى الخلاص أو سعادة النفس . وجميع تفاصيله تقريبا تقوم على نواهي ، أي على الابتعاد عن أشياء معينة ، لا على أوامر إيجابية » « 1 » . وإذا كانت القيمة الأساسية لأي مذهب أخلاقي هي بمقدار ما يحمل في طياته من أنواع وأساليب التربية الخلقية التي تفضي بالمتتلمذ لأن يكون عضوا فاعلا في مجتمعه ، بعد أن يكون قد تعلّم كيفية السلوك وسط الجماعة ، وما هي حقوقه وواجباته كفرد منها ، فإن الأخلاق البوذية لم تكن سوى دعوة غالت في الشرور التي تنتج عن المادة وعن اللذة ، فوضعت نواهي سلوكية قاعدتها التشاؤم من كل ما هو متعلّق بالجسد وشؤونه ، وهذا تطرف لا يضيف شيئا جديدا - اللهم - إلّا عند من ضعفوا في مواجهة مصاعب الحياة فآثروا العزلة والاعتكاف بعيدا عن المجتمع وشؤونه وشجونه . نختم هذا البحث بالقول : إن حياة التقشف والزهد ، التي اشتركت في الدعوة إليها الهندوكية والبوذية ، حملت كثيرين من المؤرخين للفكر الديني على الحكم بأن للزهد الهندي أثرا عميقا في نظام حياة الصوفية عند المسلمين ، وفي حياة الرهبنة المسيحية .
--> ( 1 ) بدوي ، د . السيد محمد ، م . س ، ص 31 .